المقال التالي سبق نشره في جريدة أخبار الأدب بتاريخ 1 نوفمبر 2009, و هو للروائي و الصحفي أحمد ناجي, و المقال منشور هنا بعد إستئذان الكاتب, و المقال يحتوي على عرض متميز و إطلالة سريعة على تلك الكتب, و المقال بلغته و اسلوبه دعوة للقراء و الباحثين على حد سواء للإطلاع و الإستفادة من تلك الكتب.
أحمد ناجى
إذا كان الانترنت هو المحيط الكبير فموقع أرشيف الانترنت هو قاع هذا المحيط والذي يمكن العثور فيه على كل الكنوز التى لا تظهر بسهولة على سطح الانترنت. فالموقع الذي تم تأسيسه عام 1996 كأرشيف لكل صفحات شبكة الانترنت. وانتقل مقره منذ بضعة سنوات لمكتبة الإسكندرية. تحول مع مرور الوقت إلى أرشيف تشاركى ضخم تساهم العديد من الجامعات والمراكز البحثية والتاريخية في إثراء محتواه المعرفي. حيث بدأت كل الجامعات الغريبة ومراكز حفظ المخطوطات في مسح محتويات مكتباتها وسجلاتها، ثم رفعها على موقع “أرشيف الإنترنت” لتصبح متاحة لكل المهتمين والباحثين مجاناً. وبالطبع فهذا النشاط الذي تحول إلي عرف معمول به في معظم المكتبات والجامعات الغربية لا يزال بعيداً تماماً عن مكتباتنا وجامعتنا العربية، الأمر الذي أثر في البداية على تواجد المحتوى العربي على الموقع.
لكن المحتوى العربي على موقع أرشيف الإنترنت شهد ارتفاع نسبي في الأشهر الأخيرة، لا نتيجة لقفزة تقنية في المكتبات أو الجامعات العربية، بل نتيجة لانتهاء بعض الجامعات الغربية من وضع كل أرشيفها على الانترنت، وهو الأرشيف الذي يضم لحسن الحظ مجموعة من الكنوز التى تكشف الكثير من التفاصيل المجهولة عن أوضاع النشر وصناعة الكتاب في بداية القرن الماضي.
تحتل مكتبة جامعة تورنتو بكندا المركز الأول كأكثر جامعة يضم أرشيفها المنشور على الانترنت العديد من المخطوطات والكتب العربية النادرة.
مطابع عربية في نيويورك
يقدم أرشيف مكتبة جامعة تورنتو مجموعة من الكتب النادرة أهمها تلك الكتب العربية التى صدرت في بدايات القرن من مطابع ودور نشر عربية في أمريكا. كالمطبعة السورية بنيويورك لصاحبها سلوم مكرزل والتى كانت إلي جانب الكتب تطبع جريدة “كوكب أمريكا” التي أصدر د. إبراهيم ونجيب عربيلي أول عدد منها في 15 أبريل 1892 في مدينة نيويورك. وقد مرت عملية انشاء تلك المطبعة بالكثير من المصاعب والسبب كما يوضح فيليب دي طرازي في “تاريخ الصحافة العربية” أن الدولة العثمانية “منعت بأمر سلطاني بيع الحروف العربية وتصديرها إلى البلاد الأجنبية”، فاضطر القائمون على مشروع الجريدة والمطبعة إلى اتخاذ وسائل فعالة لبلوغ أمنيتهم. وكان أقوى مساعد لهما سفير الولايات المتحدة الأميركية في عاصمة بني عثمان، وهكذا تيسر لهما بعد عناء شديد وصبر طويل استحضار الحروف العربية من بيروت مع مرتبيها”.
للآسف لا يوجد أعداد من جريدة “كوكب أمريكا” على الانترنت لكن هناك بعض الكتب التى طبعتها تلك المطبعة مثل كتاب “الدرر الغانمية في الحرب الكونية” للمؤلف جرجس رامح غانم.الصادر عام 1922 والذي يبدأ بصورة كبيرة للمؤلف وتحته بيت شعر “أصافح كل إنسان أراه/ وأودع عنده رسمى واسمى/ ومن لم تستطع مرآة عينى/ فعنى بالسلام ينوب رسمى”.
الكتاب هو تأريخ لوقائع الحرب العالمية الأولي والتى كانت تعرف في هذا الوقت بالحرب الكونية، وبعد أن يعرفنا الكاتب على اسمه ورسمه يورد جدول إحصائي في بيان قوى الدول المتحاربة، موضحاً عدد عسكرها وسكانها وقطعها البحرية. ثم في مقدمه ذات جرس بلاغي يبين المؤلف أنه “لما قام عجاج الحرب الكونية وكنت في حداثتى ميالاً إلي النظم والنثر فعقدت النية الغانمية. وحالفت النفس الأبية. على تدوين الحقائق نظماً ونثراً ودعيت تاريخى “الدرر الغانمية” وقد جمعت بدرتى من الأخبار أصدقها. ووضعت فيها من الألفاظ أوثقها وألبقها. وقد صبرت لنهاية الحرب حتى ابتدات بتأليفها. وذلك لكى استقي الأخبار من مناهلها الأصلية لأحلى بها صدرها فتكون كاملة المعنى والمبنى”. وهكذا ببيان بديع يورد جرجس رامح في مقدمته وقائع بدايات الحرب الكونية مضفراً النثر المسجوع في الشعر المنظوم مطعماً كتابه بما تيسر من الصور. فتكون النتيجة أشبه بعمل روائي بديع. فجرجس رامح لا يكتفي بذكر الأرقام والتواريخ بل يضيف بهاراته. فمثلاً حينما تم اغتيال الأرشيدوك –هكذا في الأصًل- فرانسيس أرشيدوك النمسا، ووصل الخبر إلي امبراطور النمسا بكى على حسب رواية رامح وقال “وا الهى أنا رجل الهموم والأحزان قد قتل أخى بالمكسيك وامراتى بسويسرا ومات ابنى في صحراء الصيد في طريق مجهولة وها الآن قد كمل دور أحزانى بمصرع ولى عهدى وابنة عمه. ربي وإلهى قصر هذه الحياة لأن بيديك الحل والعقد والفقر والغني والحياة والممات وأخذ يرثي ولى عهده وابنة عمه حتى بكى وابكى من كان حاضراً” وهكذا تتحول وقائع الحرب على يد المؤلف إلي قصة ساحرة من قصص ألف ليلة وليلة، حيث لا يفوت رامح أى تفصيلة لكى يتوقف أمها ويستعرض سرده وأدبه نظمها فيفرد صفحات طويلة لحزن امبراطور النمسا وجداله مع أحبار الكنيسة الكاثوليكية ووزارئه في شأن إعلان الحرب وحينما تعلن النمسا أخيراً الحرب يقف سربيا –هكذا في الأصل- يجمع الملك عسكره ووزارئه ويبدأ في بث الحماسة فيهم بقصيدة عمودية موزونة طويلة حتى يصل إلى البيت الذي يقول فيه “أيامنا مشهودة في عدونا/ لها غرر، معلومة وحجول/ وأسيافنا في كل شرق ومغرب/ بها من قراع الدارعين فلول” فهاج العسكر وماجو وصاحوا بأعلى أصواتهم يطلبون الحرب لتشتعل أول معاركهم مع الجيش النمساوى والذي كان من جملة قواده ميشال حداد اللبنانى المولد الذي يفرد المؤلف عدة صفحات لبطولته لتنتهى عند هذا الحد مقدمة الكتب وننتقل مع المؤلف إلي المتن الذي يتكون من عدة فصول. كل فصل يبدأ بشهر ثم يورد المؤلف وقائع كل يوم يوماً بيوم، سارداً حركة القوات، المجازر التى ارتكبت في المدنيين، الحروب والمعارك، حسابات الربح والخسارة وأرقام الضحايا بل وأسمائهم إن أمكن.
الحوادث العربية في الحرب الكونية
ولأن المؤلف ذو أصل عربي اضطرته الظروف لترك وطنه فهو يولى أهمية كبيرة للدور العربي في الحرب الكونية، حيث تكشف سجلات الغانمى عن تعاون الكثير من العرب مع الانجليز والفرنسيين من أجل تحرير بلادهم من الاحتلال التركى ويسجل أنه بعد سقوط القدس في يد الانجليز وفتح طريق المخابرة من سوريا ولبنان وصلت تحارير من الأهل يخبرون فيها عن موت الألوف من السكان جوعاً وميئات –هكذا في الأصل- من أوجه البلاد شنقاً ونفياً وذلك جراء استبداد جمال باشا العاتى الحاكم التركى للشام. كم يدعم المؤلف روايته بعدد من الصور للفرقة الشرقية المؤلفة من السوريين في المهجر الذي تطوعوا تحت العلم الفرنساوى للمقاتلة بجانب الأحلاف لتحرير بلادهم من نير الاحتلال. كما يسجل المؤلف الكثير من وقائع التنكيل والقتل التى مارسها الأتراك على الشعب اللبنانى والسوري ومنها قصة “بين الكوخ والقصر” وهى كما يروها جرجس رامح “في أيام الحرب الكونية قتل الأتراك رجلاً من اللبنانيين طمعاً بحسن امرأته، فهربت إلي البرارى والأكام تقتات من الأعشاب وتفترش الأرض وتلتحف بالسماء. وبعد البحث عليها وجدها أحدهم بتلك البراري السحيقة فراودها عن نفسها أخيراً ماتت مع ولدها ضحية الشرف والطهر رحمها الله رحمة واسعة فنظم إلياس افندى عون هذه القصيدة العصماء التى دعاها “بين الكوخ والقصر” وهى قصيدة طويلة يوردها المؤلف تحكى قصة هذه السيدة ضحية الاستبداد التركى شعراً منظوماً.
كما يسجل الاحتفاء الذي استقبل به الأهالى خصوصاً في لبنان الجنود الفرنسيين وهو ما يبرره المؤلف نتيجة صلات المودة والمحبة بين فرنسا والشعب السوري واللبنانى. لكن ما تكشفه الوقائع أن الترحيب الذي لاقاه الفرنسيون كان من جانب المسيحيين الشوام فقط، بينما أخذ العرب الشيعة ينهبون ويفتكون بالمسيحيين. حتى دخل الجنود الفرنسيين “مرجعيون” لمطاردة الأشقياء في 25 كانون الثانى سنة 1920 ودارت رحى الحرب بين الجنود الفرنساوية والأشقياء –هكذا يصفه المؤلف في بعض المواضع وفي مواضع آخري بالثوار- وكان النصر في هذه المعركة للفرنسيين حتى استقر الأمر للفرنسيين في البلاد فرجع غبطة البطريرك اللبنانى إلي لبنان وعلم خافق فوقه ونزل بيروت فحيته الدوارع بإطلاق 21 مدفعاً. وتكشف تلك الوقائع عن طبيعة الصراع الطائفي داخل لبنان والذي كان له تأثيراً كبيراً على مجري الحرب الكونية ولهذا فلا يفوت على المؤلف أن يورد كشف دقيق بعدد سكان بيروت وطوائفهم حيث 12672 أرثوذكسي، 32882 سنى، 17463 مارونى، 3274 شيعى إلي جانب 4907 من طوائف متفرقة.
أهلا وسهلاً باليهود
بعد عشرات التفاصيل ومعارك يقودها الشجعان من الشرق للغرب. يخصص الغانمى جزءاً كبيراً لوقائع عام 1919 حيث وضعت الحرب أوزارها، تنحى السلاح جانباً ودخلت جميع الدول المتحاربة مائدة المفاوضات لتوزيع غنائم المعركة. وتكشف جلسات المفوضات الكثير من الحقائق التي غيبها التاريخ فمن “1إلي 10 من أذار- اليهود في مؤتمر الصلح يطلبون فلسطين بيتاً لهم والرئيس ولسن يؤيد مطاليبهم. جمعية الأمم ومجلس الشيوخ في واشنطن يتقسم على بعضه. الأمير فيصل يقول لليهود أهلا وسهلاً فيكم متى صرت ملكاً على سوريا سوف أعطيكم فلسطين أنتم أبناء عم العرب”. وبهذا يتضح أنه حتي قبل وعد بلفور كان للأمير فيصل الأسبقية في وعد اليهود بفلسطين.
ويسجل الغانمى وقائع أخري مدهشة للانقسام العربي. فبعدما تقلص ظل الدولة التركية الغاشمة عن سوريا. طالب بعض السوريون بالوصاية الأميركية. فذهبت لجنة أميركية للبحث عن ميل الشعب السوري واللبنانى، ووجدت أن 90% من اللبنانيين يميلون إلي فرنسا، فالتقت اللجنة مع غبطة بطريرك الطائفة المارونية الحاكم شبه الرسمى للبنان في ذلك الوقت والذي طالب باستقلال لبنان عن سوريا ووضعها تحت الوصاية الفرنسية. ولما تحقق هذا الانقسام السياسي اشتعلت حرب آخري ذات طابع شعري بين اللبنانيين والسوريين فنظم الشاعر جورج أفندى بشعلانى قصيدة طويلة ينادى فيها باستقلال لبنان والخروج من التبعية السورية، ورد عليه الشاعر الدمشقي شفيق جبري بقصيدة دعا بها اللبنانيين إلى الوحدة السورية ورد عليه الشاعر اللبنانى ميشال الجاهل من دير القمر بقصيدة آخري جاء فيها “هذي منازلنا وتلك دياركم/ دار الكريم أعز من ايوان/ فإذا دنوتم زائرين فمرحباً/ وإذا أبعدتم فالقلوب دوان” لكن بعد أن نصب فيصل نفسه ملكاً على سورياً تحولت الحرب الشعرية إلي حرب شوارع واضطرابات كبيرة بين السوريين واللبنانيين. وتحالف بعض اللبنانيين مع الملك فيصل لتسليم لبنان إلي سوريا على رأسهم محمود بك جنبلاط لكن الحكومة اللبنانية علمت بشأن هذه المؤامرة وقضت بنفيهم وسجنهم. حتى استقرت الأمور بتدخل الفرنساويين وفرضهم الوصاية على سوريا حيث قاموا بتقليم أظافر الملك فيصل. الذي رضخ لكل شروط الدول الاستعمارية وعلى رأسها وعده السابق بدولة قومية لليهود.
خطبة إبليس
يختم جرجس رامح الغانم كتابه بخاتمة يشدد فيه على أضرار الحرب وما تسببه من خراب في الديار وضياع للأموال والأرواح. لكنه في أحد أجزاء الكتاب يورد ما يشبه خطبة طويلة عصماء على لسان سيد الدهماء إبليس الخبيث الذي يحمله بشكل غير مباشر ذنب إشعال الحرب حيث يقول إبليس “أنا كنت العون. لهامان وفرعون. وجرأت على قتل الأنبياء والأولياء. وتوصلت بتزيين الوسواس. لقاتلى الذين يأمرون بالقسط من الناس”. لكن بعض هذه الخاتمة الطويلة يضع الغانمى في نهاية الكتاب صورة فوتوغرافية لنابليون بونابرت وتحته عبارة قصيرة “وفي كل موقعة من مواقع القتال كانت روح نابليون الكبير ترف مثل حمامة فوق كل جندى موالياً للأحلاف”
لكن من الأجزاء الثرية في الكتاب والبعيدة عن المتن الملحق الإعلاني الذي يرد في نهايته ويمتلأ بالكثير من الإعلانات حول “فباريك/ مصانع” الملابس الحريمى والرجالي وكلها لعرب مهاجرين مقيمين في نيويورك. وحتى المحلات غير العربية والتى نشرت إعلاناتها في الكتاب ففي الغالب كانت تنتهى بعبارة من نوع “أصدقاء للسوريين وصادقون في معاملتهم، فنحث السوريون أن يعتمدوه”
الاستيلاء من أفعال الرحمة
المطابع العربية لم تكن فقط في نيويورك بل كانت موجودة أيضاً في انجلتر وهو ما تكشفه تلك النسخة من كتاب “المرثية، لذي الهمه الوفية المستيقظ في الأمم الهندية” وهو عبارة عن قصيدة رثاء طويلة نظمها بالعربية ادورد هنري بامر، وطبعت في “هرتفرد في دار طباعة استفان أوستن سنة 1868 ويباع في دار العلم في كمبريج عند الخواجات دائتن وبل” ومن الملفت للنظر أنه بينما خلت أحرف المطابع العربية من الهمزات وحركات التشكيل فقد تمت طباعة هذا الكتاب كاملاً بالهمزات وبأحرف التشكيل.
يبدأ الكتاب بمقدمة طويلة يمكن اعتباره نموذج واضح متكامل الأركان للاستشراق الغربي فمن أول سطر يؤكد الشاعر بامر أن “دولة الانكليز خصها الله بالمجد والفخر لا زالت أعلامها منشورة بالنصر في جميع أقطار الدنيا على البر والبحر. انقاد إليها العباد وتملكت أقاصي البلاد. لأنها سادت بالعدل والأنام. وساوت في الحقوق بين الأقوام. وأحييت العلوم والفنون في مدنها.” ولهذا فقد “مكن الله لها في الأرض ومدها بالفتح المبين والله ينصر من يحب من عباده الصالحين. فتبارك من الذي يبده الملك يؤتى الملك من يشأ وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء” ويوضح الشاعر الانجليزي أن سر ملك انجلتر هو اتباعها تعاليم المسيح كما يؤكد أن دولته “أعانت ولا تزال تعيين المسلمين وتذب عنهم المعاندين. يؤيد ذلك محافظتها في حرب قريم دولة العثمانيين سنة الثلاث والخمسين. ثم اقراضها المال عند الاضطرار عوناً لها على المعادين. لأنها باستبقاء رمق الدولة تحيي الأمة امتثالاً لما توجبه النصرانية من أفعال الرحمة فكان استيلاؤنا نحن الانكليز على أقطار الهند رحمة من الله للسكان. ونعمة من العناية الربانية” ثم بعد كل هذا المديح يتحدث الشاعر عن هؤلاء المسلمون الذين عملوا وساعدوا الحكومة الانجليزيه على تحقيق رسالتها العادلة ومنهم “المتفرد بالهمة بين أخدانه السيد محمد خان بهادر ابن السيد نجات على ابن السيد النقوى من أكابر الهند شريف علوى مولده سنة خمس عشرة بعد المأتين والألف للهجرة”
ثم تأتى بعد ذلك قصيدة السيد بامر والتى عنونها بميمايتنا المشهورة” حيث جاءت قصيدته بالعربية منظومة على قافية حرف الميم وتبدأ “بئس الزمان دهانا بالفجيعة في/ فقد الأمير الخطير المجد ذى الشمم/ محمد عين أعيان الزمان ومن/ في الهند كالبدر يجلو حالك الظلم”
رسائل بدايات القرن
ومن المخطوطات الهامة التى تحتويها مكتبة الجامعة والمتاحة على الانترنت مجموعة منتخبة من كتب الرسائل، وهو الفن النثري العربي الأشهر الذي تعرض للغياب، وتلقي هذه الكتب الضوء على فن الرسالة في صورته الأخيرة قبل تحوله إلي فن المقال وتخلصه من السجع والقصائد الشعرية التى كانت تحليه. وميزه المكتبة أن كتب الرسائل التي تحتويها لا تقتصر على قطر عربي واحد بل تتنوع بتعدد الأقطار ومنها على سبيل المثال كتاب “النشر الزهري في رسائل النسر الدهري” لحسن حسنى الطويرانى والمطبوع بمطبعة محمود بك نومرو بدار الخلافة عام 1306 هجري أى تقريباً عام 1885 ميلادياً وحسن الطويرانى هو أحد أحفاد على باشا الكبير ومؤسس جريدة النيل ومجلات الشمس. والكتاب يضم مجموعة من تأملاته التى يحركها نزوع فلسفي وسياسي واضح لكنه يقدم أفكاره في ثوب رمزى خيالى ربما حيطة وتخوفاً من بطش السلطة فمثلاً حينما يتحدث عن الحرية يقول “هى شجرة طيبة كلما تقادمت عظمت، وكلما أثمرت ازهرت تؤتى أكلها كل حين ولها أنواع تسمت باسمها وخالفت حقيقتها” ويعدد بعد ذلك الأنواع الكاذبة من الحريات حتي يصل إلي التعريف الصواب فهى التى “تلتزم لأجلها الحدود فلا يتعداها صاحبها وتوجب الواجبات فلا يهملها وتحقق الحقوق فلا يحرمها. قلت بالمطبوعات. قال أيها تريد قلت الجرائد قال ألسنة الأمم يجب أن لا يقوم بها إلا رجال هم أهلها”
أساطير الأوليين
إلي جانب كتب الرسائل الأدبية تحتل الكتب التاريخية الحيز الأكبر من المخطوطات المنشورة على الانترنت ومن أبرز تلك الكتب كتاب أساطير الأولين لميخائيل أفندي عبد الله غبرئيل مدرس البيان والرياضيات في المدرسة اللبنانية، وقد طبع بمطبعة المرسلين اليسوعيين في بيروت، سنة 1894م، برخصة نظارة المعارف الجليلة في الاستانة العلية. ويبدأ الكتاب بخطبة وقصيدة طويلة لميخائيل أفندى يمتدح فيها زهدى باشا وزير المعارف وإمام العوارف. ثم يسعي ميخائيل أفندى بعد ذلك إلي تتبع تاريخ المعارف والعلوم بداية من نشأتها في شرق آسيا مهد المعرفة الانسانية ثم انتقالها إلي اليونايين القدماء. ويعتبر هذا الكتاب من أوائل الكتاب العربية التي حاولت البحث في تواريخ الأقدمين وهم من يعرفهم المؤلف بأهل الوثنية القديمة، كالبابليين والآشوريين والكلدانيين، لكنه يطرح قضية الوثنية جانباً ويأخذ في تعقب أثر العلوم التى تركها هؤلاء القدامى في الفلك والرياضيات والطب. معتمداً على مطالعته للنقوش القديمة والآثار الباقية من تلك الحضارات. ومن كتب التاريخ القديم كتاب الأصنام لهشام بن محمد بن السائب الكلبي-بتحقيق احمد زكي باشا
والمطبوع بالقاهره سنه 1924 .
وهناك أيضاً كتاب مصر للمصريين لسليم خليل النقاش والذي يتكون من سبع مجلدات طبعت في مطبعة جريدة المحروسة بالإسكندرية سنة 1884 وهو توثيق معاصر لأحداث الثورة العرابية. وهناك أيضاً كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية، تأليف الأستاذ محمد فريد بك المحامي رئيس الحزب الوطني و جمعية السلام العام بوادي النيل والمطبوع في مطبعة التقدم بمصر عام 1912 إلي جانب كتاب “تاريخ الرومانيين, من بناء رومية الى تلاشي الحكومة الجمهورية” تأليف نجيب ابراهيم طراد, طبع بنفقة جرجي حنا غرزوزي مدير المطبعة اللبنانية بالمطبعة اللبنانية سنة 1886. ومن الكتب النادرة أيضاً كتاب تتمة البيان في تاريخ الأفغان الذي كتبه جمال الدين الأفغاني، واعتنى بتصحيحه و طبعه على نفقته علي يوسف الكريدلي، صاحب و محرر جريدة العلم العثماني، وتمت طباعته بمطبعة الموسوعات بباب الخلق بمصر, سنة 1318 ه, 1901 م والذي يبدأ بإهداء جمال الدين الأفغاني إلي الأمير عبد الرحمن خان أمير أفغانستان ويؤرخ في هذا الكتاب لأصول الشعب الأفغانى ثم دخوله الإسلام متعقباً أوقات الازدهار والاضمحلال التى تمر على الأمة الأفغانية. كما يكشف تنسيق وطباعة هذا الكتاب عن الاحترام الكبير الذي كان يكنه الناشرون لحقوق الطباعة والتأليف ففي إحد الصفحات ترد صورة للأمير عبد الرحمن خان يزيلها الناشر بعبارة “هذه الصورة مستعارة من إدارة مجلة الهلال الغراء”
من الصعب الإشارة أو إحصاء جميع الكتب التى اتاحتها مكتبة جامعة تورنتو على موقع أرشيف الانترنت. لكن يمكننا أن نشير في النهاية إلى واحد من تلك الكتب النادرة وهو كتاب مكتوب بالعامية المصرية ومترجم إلى اللغة الفرنسية بعنوان “حكاية باسم الحداد وما جري له مع هارون الرشيد.. في قلب دارج. على حسب اللهجة المصرية” وهو أشبه بحكاية شعبية مستوحاة من أجواء ألف ليلة وليلة مكتوبة كلها باللهجة المصرية. وبخلاف المتعة الفنية البديعة التي يحملها النص، فهو يعطينا أيضاً صورة للهجة المصرية وما كانت عليه منذ أكثر من مائة عام، الأمر الذي قد يجعله مرجع هام للمهمتين ودارسي العامية المصرية.