محمد جلال كشك … الغائب الحاضر

تعلمت من زمن بعيد ألا أؤمن بالأشخاص, ففى النهاية القصور يعترى الجميع, و الخطأ هو قانون البشرية الذى لا يخطئ, وكلنا ذوو خطأ. لهذا السبب كنت دوما اقرأ لكل الاتجاهات و لكل الأشخاص لا يمنعنى عن ذلك تنشيع أو تجريح أو هجوم, أو حتى نقد بناء, غريزة حب الاستطلاع كانت أقوى, و حب المعرفة و التحقق من الأشياء عبر بى تلك الحواجز المصنوعة, و بمرور السنين اكتشفت أن أبشع جريمة يمكن أن تمارس بحق الإنسان, هى جريمة حجب المعرفة, أو أى صورة من صورها, كالكذب و الاعلام الموجه, و الكذب الممنهج, و غسيل المخ.

وكان لقائى الأول بالمفكر محمد جلال كشك أثناء هوجة الاحتفال بمرور مئتى عام على الحملة الفرنسية على مصر عام 1998 , لا زلت أذكر الصخب اليومى و الشد و الجذب على صفحات الجرائد و المطبوعات الثقافية, و انتابتنى الحيرة حقيقة, ووجدت نفسى أسير مع الكارهين فى كرههم و مع المؤيدين فى تأييدهم, فأجد الساخط يسخط و لا يذكر سبب سخطه بل هو خليط شتى من الكلام الضخم و العبارات الفخيمة و المصطلحات البراقة, و أرى المؤيد يتلو أسباب التأييد كأنها الكلام المنزل.

و لم أرتح لهذا و لا لذاك, لم تكن هناك منهجية ما فى العرض تذهب بك فى أى اتجاه, وفى خضم هذا الصخب وقعت عيناى على كتاب “ودخلت الخيل الأزهر” و اشتريت الكتاب لأفهم, ووجدتنى أقرأ منهجا فكريا فى العرض و الرد و الرجوع للمصادر مما لم أألفه من قبل فى تلك السن الباكرة, و لا استطيع الانكار أنى انبهرت بتلك اللغة الواثقة و أسلوب مقارعة الحجة بالحجة , تعرفت فى الكتاب لأول مرة على الدكتور لويس عوض و على المعلم يعقوب و على شخصيات أخرى كثيرة, و زادنى الكتاب حماسة للقراءة أكثر و أكثر فى الموضوع.

كان هذا هو لقائى الأول بالمفكر محمد جلال كشك, ثم توالت اللقاءات فى مؤلفات كثيرة, و بعد كل تلك اللقاءات أجدنى لازلت على موقفى الأول. غير مؤمن بأحد, اقرأ للجميع و لا أهاب, و لا أكتفى بأحكام المفكرين على المفكرين, ففى النهاية هم كلهم بشر, ولا يخلو الجميع من عيوب و قصور.

مناسبة هذا الكلام هو الجهد الضخم الذى يبذله المهندس محمد الهامى فى مدونة محمد جلال كشك, و هو جهد أسعدنى و أسعد غيرى, و أعاد بعض الاعتبار لهذا الصوت المتفرد الغائب, و ان كنت اتمنى أن أرى موقعا متكاملا للرجل يحمل كل انتاجه الفكرى و يحمل معه المناقشات حوله, فركود الكلام يفسده, و النقاش الموضوعى يثمر فيه و يزهر.

تحية للمهندس الهامى, و دعوة للمساهمة و المشاركة و النقاش حول المفكر محمد جلال كشك.

التعليقات: 0 | | الزيارات: | التاريخ: 2008/07/15

إكتب تعليقك